محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
282
بدائع السلك في طبائع الملك
الوصف الشاغل لصاحبه عن انفاذ علمه « 443 » ، ورويته . فليقصد الرجل منكم في مجلسه ، قصد « 444 » الكافي من منطقه . وليوجز في ابتدائه وجوابه ، وليأخذ بمجامع حججه . فان ذلك مصلحة لفعله ، ومدفعة للتشاغل عن اكثاره . وليضرع إلى الله في صلة توفيقه وامداده بتسديده ، مخافة وقوعه في الغلط المضر ببدنه وعقله وأدبه ، فإنه ان ظن منكم ظان أو قال قائل : ان الذي برز من جميل صنعته وقوة حركته ، انما هو بفضل حيلته وحسن تدبيره « 445 » ، فقد تعرض بظنه أو مقالته إلى أن يكله الله عز وجل إلى نفسه ، فيصير منها إلى غير كاف ، وذلك على من تأمله غير خاف . ولا يقل أحد منكم انه أبصر بالأمور ، وأحمل لعبء التدبير من مرافقه في صناعته ، ومصاحبه في خدمته ، فان أعقل الرجلين عند ذوي الألباب ، من رمى بالعجب وراء ظهره ، ورأى أن صاحبه أعقل منه ، وأحمد في طريقته . وعلى كل واحد من الفريقين أن يعرف فضل نعم الله جل ثناؤه ، من غير اغترار برأيه ، ولا تزكية لنفسه ، ولا يكابر على أخيه أو نظيره وصاحبه وعشيرته . وحمد الله وأجب على الجميع ، وذلك بالتواضع لعظمته ، والتذلل لعزته ، والتحدث بنعمته . وأنا أقول في كتابي هذا ما سبق به المثل من تلزمه النصيحة ؛ يلزمه العمل « 446 » وهو جوهر الكتاب وغرة كلامه بعد الذي فيه من ذكر الله عز وجل ، فلذلك جعلته آخره وختمته به . تولانا الله وإياكم يا معشر الطلبة والكتبة ، بما يتولى به من سبق علمه في اسعاده وارشاده ، فان ذلك اليه وبيده ، والسلام عليكم ورحمة الله « 447 » .
--> ( 443 ) س : عمله . ( 444 ) س : مقصد . ( 445 ) س : تدبره . ( 446 ) بها - زيادة في : م . ( 447 ) أورد هذا النص ابن خلدون ج 2 ص 790 مع اختلاف فيه .